بعد توالي خسائرها لسنوات طويلة
كيف  انتقلت شركة الفرات للجرارات إلى الربح؟

مدير عام الشركة «للبعث»:  خطة الإنتاج لهذا العام «3000» جرار
فتح فروع بيع وصيانة جديدة، وتسليم الجرار خلال شهر من الاكتتاب

 العمل على إنتاج أنواع جديدة من الجرارات بأسعار منافسة
تنظيم وتثبيت مراحل العمل والإنتاج تمهيداً للايزو

 


ظلت شركة الفرات للجرارات مثار بحث وتساؤل لسنوات طويلة، خصوصاً بعد توالي خسارة الشركة لعدة سنوات وتوقفها عن العمل تماماً لسنوات أخرى، علماً بأن مرسوم احداث الشركة أعطى صلاحيات خاصة وهامة للشركة لخدمة الإنتاج الزراعي وعدم استثمار هذه الصلاحيات في مراحل سابقة كان أحد أسباب تدهور الإنتاج، لكن العودة مؤخراً إلى استثمار كافة صلاحيات المرسوم أدى إلى صنع الحياة في الشركة من جديد.
«البعث» زارت موقع الشركة في حلب وأجرت تحقيقاً موسعاً عن واقع العمل فيها منذ إحداثها عام 1974 وحتى يومنا هذا، والتقت عدداً من العمال من مؤسسي الشركة، ومع مديرها العام لمعرفة ما هي الأسباب الحقيقية التي كانت وراء خسارة الشركة في السنوات السابقة وتوقفها عن العمل، وكيف انتقلت من الخسارة إلى الربح، واستطاعت بالمعدات نفسها وبالعمال أنفسهم ان تقف من جديد للمساهمة في خدمة الفلاح والإنتاج الزراعي في سورية؟!..  لنتابع:


بدايات عمل الشركة:
لقاؤنا الأول كان مع أكرم عفيسي رئيس اللجنة النقابية في الشركة وهو أقدم موظف في الشركة، ومن مؤسسيها عام 1974 وما زال يعمل فيها حتى الآن، حيث أجابنا عن جميع استفساراتنا، فقال:
شركة الفرات لصناعة الجرارات هي شركة مساهمة مغفلة، يملك الجانب السوري نسبة 75٪ منها، ويملك الجانب الأجنبي (اسبانيا) نسبة 25٪، تأسست بالمرسوم التشريعي رقم 12 لعام 1974، تملك مجمعاً صناعياً متكاملاً في حلب بمساحة 48 هكتاراً، وعدد عمالها بحدود 1100 عامل من العمال الماهرين والمهندسين وخريجي الجامعات والمعاهد والثانويات والفنيين، وتصنع الشركة بشكل خاص: التريلا والرافعة والخزان والسلة والدسك والكلفتور والجرارات ذات القوة المختلفة.
ففي عام 1974 بدأت الشركة بتجميع جرار بقوة /60/ حصاناً والعدد كان /1905/ جرارات، وفي عام 1985 تطور العمل وأصبحت الشركة تجمع جرارات بقوة /60/ و/80/ حصاناً وكان العدد /3305/ بقوة 60، و/774/ بقوة 80 حصاناً، وفي عام 1976 تمت إضافة نوع جديد بقوة /70/ حصاناً، وفي عام 1977 ثبت ان الجرار الذي هو بقوة /70/ حصاناً أفضل الجرارات ومرغوب به من قبل الفلاحين، فتم إيقاف بقية الأنواع، وتم إنتاج /1828/ جراراً في عام 1978، وارتفع العدد في عام 1983 إلى /3928/ جراراً، واستمر العمل بهذه الوتيرة إلى عام 1988، وكان العدد الإجمالي من عام 1974 وحتى عام 1988 هو /43272/ جراراً.

لماذا توقفت الشركة عن العمل؟!
وأضاف: في عام 1989 توقفت الشركة عن العمل تماماً بسبب الحصار الاقتصادي الذي كانت تمر به سورية، ولأسباب عديدة حصلت داخل الشركة وبقيت متوقفة عن التجميع والتصنيع حتى عام 1993، وهذا التوقف أدى إلى خسائر كبيرة للشركة، فلا رواتب ولا شيء، لكن في عام 1993 تغيرت الظروف وتغيرت إدارتها التي كانت أحد أسباب توقف الشركة عن العمل، وتم استبدال مصادر استيراد القطع اللازمة للجرارات واستعادت الشركة بعض قواها، لكن ليس بالشكل المطلوب، حيث كانت تجمع سنوياً بحدود /400/ جرار فقط، مما زادها خسارة تلو الخسارة، لأن الإدارة كانت تتعامل مع العمال والشركة كقطاع عام، ولم يهتم أحد بالشركة لا العمال ولا الإدارة، هذا هو السبب الرئيس لخسارة الشركة، مما زاد الإشاعة بأنها سوف تحل وتباع، ورافق هذا الاهمال في الشركة نشاط القطاع الخاص واستيراد الجرارات بقوة أكبر وبأسعار منافسة.
واستمر هذا الروتين حتى منتصف عام 2004 عندما استلمت الإدارة الحالية زمام العمل في الشركة، وتم تطبيق المرسوم الخاص بإحداث الشركة على أكمل وجه لصالح العمال والشركة، خاصة ان شركة الفرات مستثناة من كل ما يتعلق بأحكام قانون القطاع العام، وبدأت نسبة زيادة الإنتاج في الشركة وذلك نتيجة لعدة أسباب، فقد منح المدير العام حوافز مادية مغرية كحافز لتنشيط العمل، إضافة إلى التعويض عن الساعات الإضافية والراتب كل أول شهر، فمثلاً يأخذ كل عامل راتبه شهرياً منذ منتصف عام 2004 وحتى اليوم، إضافة إلى حوافز تقدر ما بين 7000 -10000 ليرة سورية، وتعويض ساعات العمل بحدود 2000 -3000 ليرة سورية، وهذا من حق الإدارة ان تمنح هذه المبالغ للعمال وذلك حسب مرسوم إحداث الشركة.
هذا الإجراء جعل العمال يعملون طيلة الوقت لأن الحوافز والإضافي حسب الإنتاج، وهذا لم يكن موجوداً من قبل منذ تأسيس الشركة عام 1974 وحتى منتصف عام 2004، مما شكل قفزة نوعية في الشركة لم تشهدها من قبل، حيث استطاعت الشركة في ستة أشهر فقط ان تجمع وتصنع 900 جرار، وفي عام 2005 صنعت الشركة 2005 جرارات، حيث كانت خطتها 2000 جرار، وتحقق الشركة نسبة تصنيع لقطع الجرار بحدود 62٪ من القطع الرئيسية.


وكانت لنا لقاءات أخرى مع عدد من العمال القدامى والجدد حيث أعادوا الكلام نفسه، وأبدوا رغبتهم في العمل لاستمرار نجاح الشركة.

انتقال الشركة من الخسارة إلى الربح:
في ختام جولتنا لشركة الفرات للجرارات، كانت لنا وقفة مطولة مع الدكتور يوسف خضور مدير عام الشركة الذي أوضح لنا سر نجاح العمل في الشركة وانتقالها من الخسارة إلى الربح، حيث قال:
بدأت العمل في الشركة منذ الشهر السادس عام 2004 مع كادر الشركة الفني والإداري نفسه، وانتقلنا من خسارة الشركة لنحو 150 مليون ليرة سورية عام 2003 إلى ربح 5 ملايين ليرة سورية عام 2004، علماً ان خسارة الشركة خلال سنوات التوقف الأربع كانت 700 مليون ليرة سورية.
وعن الأسس التي اعتمدت لتحقيق ذلك أوضح انه اعتمد على ثلاثة عوامل: العامل البشري، ووسائل الإنتاج (الآلات)، والسيولة المالية، فبالنسبة للعامل البشري والسيولة المالية تمت إعادة الهيكلة وذلك نتيجة للترهل القديم الذي كان موجوداً في الشركة، حيث كان العمال كما قالوا يقضون وقتهم بلعب الورق وشرب الشاي، ونتيجة لعدم العمل والإنتاج تم صرف رأس المال الموجود في الشركة، حيث لم تبق رواتب للعمال فكيف يعملون ولمن يعملون، لذلك منذ البداية اقترضنا مبالغ بشكل دين من بعض الجهات /الكابلات مثلاً/ لدفع رواتب الموظفين، إضافة إلى بدء صرف الحوافز والإضافي.
اما العامل الثاني فهو الآلات والتي هي بطبيعتها قديمة عمرها ما بين 25 -30 سنة، لذلك بدأنا بصيانتها وتجديدها بالخبرات الموجودة، واشتغلنا بالآلات الموجودة وتم استكمال القطع المتبقية من السوق المحلية، وبالتالي أمنا بعض الأموال للعمال، وبذلك تكونت لدى العمال انهم شركاء في العمل والشركة، وزادهم إيماناً بذلك، تم تأمين الألبسة والأغذية لهم ، ونقوم الآن بفتح مطعم في الشركة وتناول الوجبات الساخنة.
ونجاح هذه الطريقة أتت نتيجة استخدام صلاحيات مرسوم إحداث الشركة والتي لم تطبق ولم تستخدم من قبل الإدارات السابقة كالحوافز والإضافي وغيرها، والفضل في نجاحنا في عملنا هو للعمال والفنيين المهرة الذين استجابوا للعمل مباشرة، وعملنا هذا كلل بصدور تعميم من السيد رئيس مجلس الوزراء بتاريخ 17/1/2006، أكد فيه على استخدام كافة الصلاحيات الممنوحة لمرسوم إحداث الشركة لاستمرار نجاح العمل فيها.
وبالنسبة للمناقصات كانت تعامل معاملة القطاع العام سابقاً، بينما الآن نتصل بالشركة المنتجة للقطع التي نحتاجها لصناعة الجرار ونشتريها من الشركة مباشرة دون وسيط وبوقت قياسي لا يتجاوز الأيام، وهذا أحد أسباب تطوير العمل.

الخطة لهذا العام:
وخطة الشركة لهذا العام 2006 هي إنتاج 3000 جرار، ولأول مرة في تاريخ الشركة يتم إنتاج وتجميع 2005 جرارات العام الماضي 2005، وقديماً كانت تأتي القطع من اسبانيا جاهزة وتجمع في الشركة في سورية، حيث وصل الإنتاج إلى 3600 جرار، والآن إذا أردنا ان نستورد القطع جاهزة ونجمعها يصل إنتاجنا سنوياً إلى 7000 جرار في العام، بينما نحن الآن نصنع 62٪ من قطع الجرار ونستورد الباقي فقط (المحرك)، ونعمل الآن في الشركة حسب الخطة الاقتصادية المرسومة.
ونعمل لتسليم الجرار للمكتتب في أقل من شهر بعد طلبه للحصول على جرار من الشركة، والتسجيل يتم في الشركة السورية لتوزيع الآلات الزراعية في حلب، وندرس الآن طرح إقامة مراكز صيانة وبيع في المحافظات، وسوف نحاول ان نحصل على اذن بالبيع لأن البيع الآن محصور بالشركة السورية لتوزيع الآلات الزراعية، ونحن نقوم بصيانة الجرارات في بيوت أصحابها، والشركة دائماً على استعداد للذهاب لأي مكان في سورية لصيانة الجرارات ودون تأخير.

معامل الشركة:
وعن المعامل الموجودة في الشركة وطاقة الإنتاج، قال الدكتور خضور:
لدينا مجموعة من المعامل في الشركة وهي: السباكة -التشغيل -المطروقات -والمكبوسات، إضافة إلى خط التجميع، وكل واحد من هذه المعامل لديه طاقة مختلفة عن الأخرى، ونقطة الاختناق الأساسية هي التشغيل الميكانيكي، ويمكن ان تصل طاقة هذا المعمل إلى 2000 جرار، ونتوقع ان تصل إلى الطاقة القصوى هذا العام.
إلى جانب ذلك نقوم بالتصنيع الخارجي لبعض القطع والآليات التي يحتاجها القطاع العام والخاص التي بلغت قيمتها 100 مليون ليرة سورية، ونتوقع ان تكون أرباح التصنيع الخارجي أكثر من 20 مليون ليرة سورية، كما ننتج بعض المعدات الزراعية الملحقة بالجرار: الجرافة -قرص بثلاث سكك -سكك الحراثة -الصندوق الخارجي للجرار (التريلا)، ونطمح لتطوير إنتاج الشركة من مختلف المنتجات.
وقد بدأنا بالاكتتاب على الجرار 45 بهدف المنافسة، ولذلك استقدمنا نوعين جديدين من الجرارات، جرار ماهندرا لشركة هندية تعتبر الرابعة في العالم، وجرار تركي ماسي فريكسون وهذا النوع غني عن التعريف، وهذه الجرارات بأسعار منافسة: 420 ألف ليرة سورية للأول، و530 ألف ليرة سورية للثاني، وهذا السعر أقل من السعر الذي عرضت فيه خلال معرض دمشق الدولي العام الماضي بأقل من 130 ألف ليرة سورية، حيث عرض الجرار التركي في المعرض بسعر 670 ألف ليرة سورية، وسنبدأ بتصنيع هذين النوعين من الجرارات بالاعتماد على تسجيل الفلاحين عليها لأن هذا الموضوع مرتبط بالسيولة المالية، وقد تم ترتيب العقد مع الشركتين لاستجرار العدد المناسب من الجرارات، وبالطبع فإن الفلاح يستفيد من قرض من المصرف الزراعي لتسديد قيمة الجرار، وشركة توزيع الآليات الزراعية تقدم هذه التسهيلات للفلاحين.. ونخطط بعد ذلك للبدء بتصنيع هذين النوعين بنسبة تصاعدية حسب طاقات الشركة المتاحة، حيث سنبدأ بـ  10٪ حتى الوصول إلى تصنيعه محلياً بشكل كامل مثل جرار الفرات ما عدا المحرك الذي يستورد من ايران حالياً، إضافة إلى بعض القطع الأخرى التي لا يحقق تصنيعها الجدوى الاقتصادية.
ووفقاً لما نعمل عليه يتوقع ان تصل أرباحنا هذا العام إلى 100 مليون ليرة سورية وأكثر، وبالطبع فإن الشركة قامت بتسويق كامل إنتاجها، ولديها حوالي 1000 مكتتب على الجرارات للعام القادم.

ضبط الجودة:
وعن كيفية ضبط جودة هذه الجرارات قال خضور:
قامت الشركة بالتعاقد مع أكاديميات علمية لديها أخصائيون بالجودة، حيث يقوم هؤلاء بالإشراف على جودة الإنتاج وتقديم الدراسات والأسس اللازمة لجودة الإنتاج، وهذه أظهرت نتائجها بعودة ثقة الفلاح بجرارات الفرات، إضافة إلى ذلك نقوم بتقديم الضمان والصيانة في أرض الفلاح لمدة عام او لفترة تشغيل 1200 ساعة عمل وهي مدة الضمان، وقد استطعنا بذلك ان نعزز علاقة الفلاح بالشركة، ويجب ان نشير إلى ان ما يشاع عن غلاء سعر جرار الفرات غير صحيح، واننا نبيع الجرار بسعر التكلفة تقريباً، وهذا ينطبق على تصنيع بعض القطع الملحقة بالجرارات التي نصنعها والتي لا نستطيع منافسة القطاع الخاص في أسعارها بسبب اختلاف الجودة لصالح إنتاجنا، الأمر الذي يجعلنا لا نصنع هذه القطع إلا حسب الطلب، وعادة ما يكون تصنيع هذه القطع لصالح القطاع العام.


وعن سبب عدم حصول الشركة على شهادة ضبط الجودة «الايزو» حتى الآن قال:
نحن استعنا بفريق من الأكاديميين لضبط الجودة بهدف الوصول إلى المرحلة التي نحصل فيها على شهادة الايزو، ونحن نقوم الآن بتثبيت مراحل الإنتاج خطوة خطوة وتنظيمها بهذا الهدف، ولأجل ذلك نقوم باعداد نظام معلوماتي للشركة يضبط كل محتويات الشركة، ويحدد قدرتها الفعلية ونقوم بتدريب عمالنا على الالتزام بهذا النظام.

تواجهنا مشكلة:
من جانب آخر تواجهنا مشكلة ان معظم العمال قدماء، أقل من النصف منهم منتجون، فيما القاعدة الصناعية الصحيحة تقول: ان نسبة المنتجين يجب ان تكون 80٪، لذلك نقوم اليوم بتهيئة مدرسة لإعادة تأهيل العمال، وقد خصصنا البناء اللازم لهذه المدرسة من الأبنية التابعة للشركة ودون ان نتكلف على بناء جديد، ومن خلال المدرسة سنقوم أولاً بإعادة تأهيل العاملين القائمين على العمل، كل حسب اختصاصه، إضافة إلى ذلك سنقوم في المدرسة بتعليم المعلوماتية واللغات للكوادر الموجودة في الشركة، وهذا كله ضمن سياق تأهيل كامل الشركة والذي يقوم على الاستفادة القصوى من كل طاقة الشركة، سواء بالنسبة للآلات أو بالنسبة للعمال والكوادر الأخرى.
وقال: نحن ما كنا لنعود وننطلق بعمل الشركة بهذا الشكل لولا الاستفادة من مرسوم إحداث الشركة، والغريب ان بعض الجهات لم تزل تعتقد ان شركتنا هي قطاع عام ، وتريد ان تطبق عليها قوانين القطاع العام، مع ان الشركة هي قطاع مشترك وهي مستثناة من الأنظمة المطبقة على القطاع العام.
ومن خلال الجولة التي قمنا بها إلى شركة الفرات لصناعة الجرارات، وجدنا ارتياحاً عاماً لدى الجميع لإعادة الحياة إلى الشركة من جديد، وعودة الفلاحين ليدقوا أبواب الشركة للاكتتاب من جديد على جرارات الفرات الشهيرة، وهذا لم يكن ليتحقق لولا تطبيق مجموعة من الصلاحيات التي كانت العامل الأساسي في نجاح خطة التنفيذ.

تحقيق : أحمد زينة